آلية رفع الدعاوي الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية

إسم المؤلف : الدكتور نافذ المدهون
الوظيفة : مدير المجلس التشريعي الفلسطيني

August 3, 2009, 2:00 pm

آلية رفع الدعاوي الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية

 

 


تمهيد
       مضى على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكثر من نصف قرن من الزمان,ولم يكن بمقدور الدول المهتمة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان توفير الآليات الفعالة لبلوغ الأهداف المنشورة من الإعلان والاتفاقيات والمواثيق الدولية  الأخرى . حيث لا تتعدى الآليات الموجودة إعداد تقارير ومناقشتها وإصدار التوصيات بشأنها .
وشكل غياب الآليات الفعالة قلق العديد من الأشخاص والمؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان والذين سعوا إلي اصلاح النظام المعمول به لدى الأمم المتحدة.
وقد كان لهذا الخلل دور كبير للمطالبة بإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة لتوفير الآليات والضمانات الكفيلة بالوقاية من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعقب مرتكبيها والمسئولين عنها وملاحقة مجرى الحرب الإسرائيليين وغيرهم وإيقاع أقصى العقوبات بحقهم.
يشار إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (8) قد تضمن تحديد اختصاص هذه المحكمة حيث يكون للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم (1). 
وقد أوضحت المادة (8) من النظام الفترة (2) البنود ( أ, ب , ج،د،ه،و ) المقصود بجرائم الحرب التي تختص بها المحاكمة الجنائية وتشمل كافة الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12  آب \ أغسطس 1949م أي اي فعل من الأفعال التي ترتكب ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة كما يتضمن الانتهاكات الخطيرة الأخري للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي ومنها تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية أو تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية أي المواقع التي لا تشكل أهداف عسكرية بالإضافة إلى تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقلئهم بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الاغاثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف(2) .
ومن الملاحظ أن الاعتراض عن تأسيس هذه المحكمة جاء من حكومات الدول ذات السياسات المنافية لحقوق الإنسان , ومن الولايات المتحدة الأمريكية المتحكمة في فرض هيبتها على العالم , وبطبيعة الحال من الاحتلال الصهيوني الذي يمارس إرهاب الدولة ضد الفلسطينيين .
وبمناسبة سريان معاهدة المحكمة الجنائية الدولية أعمالها في آذار 2003م نشرت حركة(غوش سالوم )الصهيونية إعلانات في الصحف الرئيسية تحذر الجنود الصهاينة من ارتكاب جرائم حرب(3).
وأخذت بعض الدول الأوروبية تقبل دعاوي ضد الصهاينة بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومع ذلك تواصلت الانتهاكات الصهيونية لحقوق الإنسان الفلسطيني فقد امعنت قوات الاحتلال في الآونة الأخيرة بارتكاب مجازر ضد المدنيين في قطاع غزة تشكل في أسلوب تنفيذها جرائم حرب وفقاً لبنود جريمة الحرب التي وردت في نظام روما الأساسي بشأن المحكمة الجنائية الدولية .
وتنظر كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة بخطورة بالغة إلى تمادي الاحتلال بارتكاب مجازر وقتل جماعي بحق المدنيين الفلسطينيين معظمهم من الأطفال والنساء وتسعى الكلية من خلال هذا اللقاء إلى البحث عن آليات فعالة لضمان وقف هذه المجازر بالإضافة إلى ملاحظة كافة المسئولين والمشاركين من جنود وضباط الاحتلال الصهيوني.
وعليه سوف نتناول بالتفصيل آلية دفع الدعاوي الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية وذلك من خلال المحاور الثلاث التالية :
المحور الأول : الآليات القانونية المتاحة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين .
المحور الثاني : الاختصاص القضائي الدولي للمحكمة الجنائية الدولية.
المحور الثالث : إجراءات التقاضي أمام المحكمة الجنائية الدولية .





المحور الأول : الآليات القانونية المتاحة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين :
                          يتواصل العدوان الصهيوني المنظم ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة وقد تسبب العدوان الأخير على قطاع غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي الى استشهاد أكثر من مائتين وخمسين فلسطينياً معظمهم من الأطفال و النساء , هذا بالإضافة الى جرح أعداد كبيرة وتدمير العشرات من المنازل والمساكن  ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية , وسط استمرار فرض حصارها المتشدد المفروض على قطاع غزة ومنع دخول المواد الغذائية والمعيشية اللازمة لتسديد حاجيات السكان المعيشية  والتساؤل هنا حل من سبيل لملاحقة المسئولين والمشاركين في تلك الجرائم وما هي الآليات القانونية المتاحة للقيام بذلك ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل يجب التأكيد على أن هناك العديد من الآليات القانونية المتاحة أمام المؤسسة الفلسطينية الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لمحاكمة مجرمي الحرب من الصهاينة المحتلين بسبب ارتكابهم لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق أبناء الشعب الفلسطيني وتشمل الآليات التالية :
1-    تقديم شكوى للمدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً للأصول التي سنبنيها تفصيلا في موضع آخر من هذه الورقة وهذا هو الطريق الأفضل رغم تعقد إجراءات السير به وتكلفته العالية جداً.
2-    وضع دعاوي ضد المتورطين في هذه الجرائم من المحتلين أمام القضاء الفلسطيني لمحاكمتهم بصورة غيابة باعتبار أن جرائمهم ترتكب في فلسطين وتخضع لقواعد الاختصاص الجنائي الفلسطيني طبقاً للقوانين الجنائية سارية المفعول في فلسطين .
3-    التوجه إلى مجلس الأمن .
4-    رفع دعاوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان .
5-    رفع دعاوى ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام القضاء الأوروبي في الدول التي تسمح قوانينها بذلك.
يشار إلى أن الشعب الفلسطيني ومنذ احتلال أراضيه لم يجد جهاز قضائي ذى مستوى فعال يستطيع من خلاله محاكمة المتهمين الإسرائيليين بارتكاب جرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني التي استمرت لأكثر من خمسين عاماً وفي ظل هذا الغياب فقد أثير التساؤل حول الجهة المختصة بنظر دعوى الجرائم الاحتلالية في ضوء الاستحالة العملية لقيام القضاء الفلسطيني بهذا الدور بسبب تنكر الاحتلال لاختصاصات وصلاحيات الجهاز القضائي الفلسطيني؟
يذكر أن العديد من دول العالم التي تعرضت إلى جرائم شبيهة بتلك التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني قد استحصلت على قرارات بإنشاء عدد من لجان التحقيق الدولية الخاصة . وعدد من المحاكم الجنائية الدولية الخاصة(4) وكذلك عقدت عددا من المحاكمات الوطنية المفوضة دولياً.

المحور الثاني : الاختصاص القضائي الدولي للمحكمة الجنائية الدولية.
          
أولا:  نشأة المحكمة الجنائية الدولية :
    تصاعدت الاعتراضات القانونية والفقهية على المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، وعليه فقد دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة القانون الدولي عام 1947 لإعداد مشروع إنشاء محكمة جنائية دولية، واستمرت جهود لجنة القانون الدولي تنفيذاً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت القرار رقم (44-39) في 4 ديسمبر عام 1989 طالبة من لجنة القانون الدولي أن تقوم عند دراستها لمشروع مدونة الجرائم المُخلة بأمن الإنسانية بتناول مسألة إنشاء محكمة جنائية دولية تكون ذات اختصاص بمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم. وفي عام 1990 أنهت لجنة القانون الدولي دراسة شاملة عن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وأنشأت لذلك فريق عمل والذي استمر في العمل حتى أنجز في العام 1994 مشروع المحكمة الجنائية الدولية. وفي 9 ديسمبر عام 1994 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة متخصصة لإعداد اتفاقية دولية حول إنشاء المحكمة الجنائية الدولية واستمر عمل هذه اللجنة حتى انعقاد المؤتمر الدبلوماسي في روما في الفترة من 15 إلى 17 يوليو 1998 وقد شارك في المؤتمر عدة وفود من 160 دولة و17 منظمة دولية غير حكومية و14 وكالة دولية متخصصة و238 منظمة غير حكومية. وعرض على المؤتمر مشروع النظام الأساسي لإنشاء محكمة جنائية دولية الذي تم اعتماده بموافقة 120 دولة بينما اعترضت عليه سبع دول ( الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والصين والهند وليبيا وقطر) وامتنعت 21 دولة عن التصويت. وتم اعتماد النظام الأساسي في نهاية المؤتمر في 17 يوليو 1998.. وبدأ نفاذ النظام الأساسي للمحكمة في الأول من يوليو عام 2002 بتصديق الدولة الستين. وحتى  أكتوبر 2005 وقعت 139 دولة على النظام الأساسي للمحكمة بينهم 13 دولة عربية وصدقت عليه 100 دولة بينهم دولتان عربيتان هما الأردن وجيبوتي.
 
ثانيا :الأحكام العامة للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية :

1-    الطبيعة القانونية للمحكمة :
      النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هو معاهدة دولية مُلزمة للدول الأطراف بالمعاهدة، ومن ثم فهي ليست كيانا فوق الدول بل هي كيان مماثل لغيره من الكيانات الدولية والمحكمة ليست بديلا عن القضاء الوطني إنما الأصل في الاختصاص هو للقضاء الوطني وحسب نظـام المحكمـة فإنـه قضـاء تكميليـا (المادة 1).

ويمتد اختصاص المحكمة ليشمل الدول الأطراف في النظام ويتم ممارسة الاختصاص بالتكامل مع اختصاص نظم القضاء الوطني للدول الأطراف، وللمحكمة شخصية قانونية دولية مستقلة ولها الأهلية القانونية اللازمة لممارسة وظائفها وتحقيق مقاصدها، ويقع مقر المحكمة في مدينة لاهاي بهولندا باعتبارها دولة المقر، ويجوز لها باتفاق خاص أن تعقد جلساتها في إقليم أي دولة طرف (المادة 3).
2-    مصادر تمويل المحكمة :
تحدد جمعية الدول الأطراف بالنظام الأساسي، مصادر ومعايير قبول التمويل لنشاط وأجهزة المحكمة، والمتمثل في الآتي :
ا- اشتراكات الدول الأطراف ( وفقا لقاعدة الاشتراكات المعمول بها في الأمم المتحدة).
ب- أموال مقدمة من الأمم المتحدة.
ج - تبرعات مقدمة من  حكومات ومنظمات دولية وأفراد وشركات ( وفقا لمعايير تضعها جمعية الدول الأطراف).
وينشآ ضمن أجهزة المحكمة صندوق إنمائي لصالح المجني عليهم، ويُمول من متحصل عقوبات الغرامة والمصادرة من المتهمين.
 ثالثا: هيئة المحكمة
     تتكون المحكمة من هيئة الرئاسة، هيئة التمهيد، البداية، الإستئناف، مكتب المدعي العام، وقلم كتاب المحكمة
• وتتألف الهيئة من 18 قاضيا يتوزعون على الأقسام المذكورة، ويُنْتَخبوا من الدول الأطراف، على أن يكونوا من حملة المؤهلات العالمية التي تنطبق على مستوى الأنظمة القانونية العالمية، وان يمثلوا كافة النظم القضائية في العالم•
المدعي العام وممارسة اختصاص المحكمة يعمل مكتب المدعي العام بصورة مستقلة عن هيئة المحكمة، ويكون المحامون العامون من جنسيات مختلفة• يُنْتَخَبْ المدعي العام بالإقتراع السري، وبالأغلبية المطلقة لأعضاء جمعية الدول الأطراف•
لغات المحكمة الرسمية هي العربية، الصينية، الإنكليزية، الفرنسية، الروسية، والإسبانية• تنشر أحكامها وقراراتها النهائية الأساسية باللغات الرسمية لغات العمل في المحكمة الإنكليزية والفرنسية•
ينص النظام الأساسي للمحكمة على وجود مبدأ تكامل النظامين القضائي للمحكمة والدولة الطرف• ويكون للاختصاص الجنائي الوطني الأولوية على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية• لذلك فإن المحكمة تمارس اختصاصها في حالتين فقط:

1-    عند انهيار النظام القضائي الوطني
2- عند رفض أو فشل النظام القضائي الوطني ممارسة التزاماته القانونية في التحقيق، ومحاكمة الأشخاص المشتبه فيهم، لارتكابهم جرائم هي من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية•
واللافت في المحكمة أنها اول محكمة عالمية لها صلاحية محاكمة المسؤولين عن مذابح الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية،وجرائم الحرب• وتتألف هيئتها من محامين وقضاة يتمتعون بالحنكة في القانون الجنائي•

 رابعا: الدول العربية المصدقة
  رغم ان الاردن في الدول العربية، وجيبوتي في افريقيا، هما الدولتين الوحيدتين في المنطقة، اللتان وقعتا على المعاهدة، لم تصادق الدول العربية التي وقّعت على النظام الاساسي "روما"، على المعاهدة، لأن التصديق يقابله التزامات، غير انه يمنح الدولة المصادقة على المعاهدة، حق ان تصبح من جمعية الدول الاطراف التي تنتخب القضاة، والمدعي العام، ورئيس قلم كتاب المحكمة، وحق مراجعة ومصادقة ميزانية المحكمة، وتوفير الدعم لها، وإنشاء قواعد لعملها الداخلي، وللإجراءات ولدليل المحكمة، ويمكن للدول العربية أن تستفيد من هذه الميزات•

خامسا : علاقة المحكمة بالأمم المتحدة :
  المحكمة ليست جهازاً تابعاً للأمم المتحدة إنما تنظم العلاقة بينهما بموجب اتفاق تعتمده الدول الأطراف في النظام (المادة2).
  علاقة مجلس الأمن بالمحكمة :
        على الرغم من أن المحكمة مستقلة عن الأمم المتحدة إلا أن النظام الأساسي للمحكمة أوجد لمجلس الأمن علاقة بالمحكمة في حالتين:
الأولى : في حق مجلس الأمن بإحالة متهمين بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، وذلك متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (المادة 13).
والثانية : في حق مجلس الأمن في طلب إرجاء التحقيق بموجب النظام الأساسي لمدة 12 شهراً، وذلك أيضا متصرفا وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها(المادة 16).

سادسا: القانون الواجب التطبيق( المادة 21) تُطبق المحكمة :

1-    قواعد النظام الأساسي للمحكمة، وأركان الجرائم والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة والصادرة من المؤتمرات الدبلوماسية اللاحقة لإصدار النظام الأساسي.
2- المعاهدات الدولية الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده والقانون الدولي للمنازعات المسلحة.
3- المبادئ العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من القوانين الوطنية للنُظم القانونية في العالم، وذلك بشرط ألا تتعارض هذه المبادئ مع النظام الأساسي للمحكمة أو قواعد القانون الدولي ولا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
4- سوابق قضائية سبق للمحكمة أن أقرتها أو فسرتها . ويجب أن يكون تطبيق وتفسير القانون متفق عليه مع المعايير الدولية لحقوق الانسان ولا ينطوي على تمييز لأي سبب .
سابعا : قواعد اختصـاص المحكمة :
الاختصاص الموضوعي تأسست المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مرتكبي اخطر الجرائم التي يدينها القانون الدولي . والمحكمة الجنائية الدولية تختص على سبيل الحصر بثلاث جرائم فقط هي :
1-جرائم الإبادة الجماعية.
2-جرائم ضد الإنسانية.
3- جرائم الحرب.
وبالنسبة لجريمة العدوان، لا تزال أركان هذه الجريمة قيد النقاش، فالنظام الأساسي للمحكمة أقر في الفقرة الأخيرة من المادة (5) بأن تعريف هذه الجريمة وتكييفها سيتم لاحقا بمقتضيات المادة (121) والمادة (123) والمتعلقين بالتعديلات والمراجعة، وعليه فهناك اختلافات شديدة بين أطراف النظام الأساسي للمحكمة حالت دون الاتفاق بشأن تحديد أركان جريمة العدوان، ومن ثم فالمحكمة غير مختصة بنظر جريمة العدوان، ويقتصر اختصاصها على الثلاث جرائم المذكورة:-
1-    جريمة الإبادة الجماعية (المادة 6)
يُقصد بجريمة الإبادة الجماعية في إطار النظام الأساسي للمحكمة هي الأفعال والممارسات التي تستهدف إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه سواء كان الإهلاك كلياً أو جزئياً، وتشمل هذه الأفعال : -
- قتل أفراد الجماعة .
-    إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة .
-    إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً. - فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
- النقل القسري لأطفال الجماعة بالقوة إلى جماعة أخرى.
2-    الجرائم ضد الإنسانية ( المادة 7)
تقوم أركان هذه الجريمة على ارتكاب هجوم واسع النطاق ضد مجموعة من السكان المدنيين وعلى علم سابق بالهجوم. ويُقصد بهجوم واسع النطاق الهجوم المنهجي المُرتكب بصورة متكررة، تنفيذاً لسياسة دولة أو منظمة تأمر بتنفيذ الهجوم تعزيزاً لهذه السياسة.
وتشمل الأفعال المكونة للجريمة :
-    القتل العمد .
-     الإبادة .. تعمد فرض أحوال معيشية مثل الحرمان من الحصول على الطعام والدواء بقصد إهلاك السكان.
-     الاسترقاق بصورة فيها اعتداء على حق الملكية، أو الاتجار بالأشخاص ولاسيما النساء والأطفال.
-    الإبعاد والنقل القسري للسكان، في صورة نقل الأشخاص المعنيين قسراً بصورة غير مشروعة بالطرد أو بأي فعل قسري دون مُسوغ من القانون . - السجن المخالف لقواعد القانون الدولي.
-    التعذيب، ويُقصد به تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة سواء بدنياً أو عقلياً بشخص موجود تحت إشراف أو سيطرة المتهم.
-    الاختفاء القسري، ويُقصد بالاختفاء القسري "القبض على أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم، من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو بدعم منها، أو بسطوتها عليه أو بموافقتها، ثم ترفض الإعلان أو الإفصاح عن مكان احتجازهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم"، وذلك بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة. - جريمة الفصل العنصري .
3-    جرائم الحرب ( المادة8)
تقوم أركان هذه الجريمة بمجرد حصول انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة بــ12 أغسطس 1949، وكذلك الانتهاكات الخطيرة للقوانين وأعراف الحرب والقانون الدولي للمنازعات المسلحة.. سواء كانت الانتهاكات موجهة ضد العسكريين أو الأسرى أو المدنيين أو الجرحى وضد الأموال والأعيان المدنية.

ثامنا: قواعد اختصاص المحكمة :
الاختصاص الزماني ( المادة 11)
أخذ النظام الأساسي للمحكمة بالقاعدة العامة في القانون الجنائي بعدم جواز تطبيق القانون بأثر رجعي، ومن ثم فالمحكمة لا تختص إلا بالنظر في الجرائم التي تُرتكب بعد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ، وبالنسبة للدول التي تنضم للنظام الأساسي بعد بدء النفاذ فلا تختص المحكمة إلا بالجرائم التي تُرتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لهذه الدولة، وهذا الحكم يعتبر تطبيقاً للمبدأ العام السائد في القانون الجنائي وهو سريانها بأثر فوري ومباشر، وذلك لتشجيع الدول على الانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة دون الخوف من العودة إلى الماضي وإثارة البحث في الجرائم التي تكون الدولة قد ارتكبتها قبل انضمامها للمحكمة.
وقاعدة الأثر الفوري هنا تسري على الجرائم وعلى الأشخاص فالمادة(24) تؤكد عدم رجعية الأثر على الأشخاص ولا يسألون جنائيا عن جرائم سابقة لبدء نفاذ النظام الأساسي للمحكمة.
وتُطبق أيضا قاعدة القانون الأصلح للمتهم في حالة حدوث تغير في القانونين قبل صدور الحكم النهائي في القضية.
علماً بأن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة لا تسقط بالتقادم (المادة29) .
قواعد اختصاص المحكمة  الاختصاص الشخصي (المادة 25)
    تختص المحكمة فقط في حق الأشخاص الطبيعيين، فالمسؤولية أمام المحكمة مسؤولية فردية وشخصية، ولعل هذه المادة تُزيل الإلتباس من أن المحكمة تحاكم دول أو حكومات أو منظمات أو شركات، فالشخص الطبيعي يُسأل أمام المحكمة بصفته فاعلاً للجريمة أو مُساهما أو شريكاً بالتحريض أو المساعدة كذلك يُسأل الشخص في حالة الشروع في ارتكاب الجريمة.
والمحكمة اتساقاً مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل فهي لا تُحاكم الأشخاص دون الثامنة عشر عاما (المادة 26).
عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للمتهم (المادة 27)
يُطبق النظام الأساسي للمحكمة على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية، سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أم ممثلاً أو منتخباً، فكل هذه الصفات لا تُعفي من المسؤولية الجنائية، كما أنها تُعد عذراً مخففاً للعقوبة، وبذلك فالنظام الأساسي لم يعترف أو يعتد بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية المقررة لبعض الأشخاص في القانون الدولي، فلا تحول الحصانات والامتيازات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء كانت هذه الإجراءات وتلك الحصانات في إطار القانون الدولي أو القانون الوطني .
مسؤولية القادة والرؤساء (المادة 28)
أكد النظام الأساسي للمحكمة على مسؤولية القادة العسكريين، مسؤولية جنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسيهم طالما كانوا خاضعين لإمرتهم وسيطرتهم الفعلية، وذلك بشرط :
1-    توافر علم القائد أو افتراض علمه أن قواته قد ارتكبت أو على وشك ارتكاب جرائم.
2-    إذا لم يتخذ القائد تدابير لازمة ومعقولة تحول دون ارتكاب الجرائم أو لطات المختصة للتحقيق. لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق.
أوامر الرؤساء (المادة 33 )
لا يجوز التذرع بأوامر الرؤساء للإعفاء من المسؤولية الجنائية، سواء كان الأمر امتثالاً لأمر حكومة أو رئيسا، عسكريا كان أو مدنيا، إلا في الحالات الآتية :
1-    إذا كان على الشخص التزامهم قانوني بإطاعة الأوامر .
2-    إذا لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع .
3-    إذا لم تكن عدم مشروعية الفعل ظاهرة.

 تاسعا :الإعفــاء مــن المسـؤوليــة الجنـــائيـة (المادة 31)
      
         يُقرر النظام الأساسي بالقواعد العامة في أسباب الامتناع عن المسؤولية الجنائية، وذلك في الحالات الآتية :
1 - عدم توافر الأهلية بسبب مرض عقلي.
2- السُكر غير الاختياري.
3- الدفاع الشرعي عن النفس أو الغير أو في حالة الحرب.
4- الإكراه المادي على ارتكاب الجريمة.

عاشرا: ممارسة المحكمة لاختصاصها :
               حدد النظام الأساسي قواعد إسناد الاختصاص إلى المحكمة في الحالات التالية :
1-    الدولة التي تصبح طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة فهي بذلك تقبل اختصاص المحكمة بنظر الجرائم التي تدخل في اختصاصها (المادة 12).
2-    دولة غير طرف في النظام الأساسي لكنها قبلت اختصاص المحكمة بنظر الجريمة، وذلك بموجب إعلان تُودعه لدى مُسجل المحكمة وتلتزم الدولة بالتعاون مع المحكمة كأحد آثار هذا القبول، علماً بأن إعلان قبول الاختصاص مُقيد بنظر جريمة معينة وينبغي تجديده في كل مرة.
3-    دولة طرف ويكون المتهم بارتكاب الجريمة أحد رعاياها .
4-    إذا كانت دولة تسجيل السفينة أو الطائرة طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة، إذا كانت الجريمة قد ارتكبت على متن السفينة أو الطائرة.

المحور الثالث : إجراءات التقاضي أمام المحكمة الجنائية الدولية .

اولا : إحالــة الدعــــوى للمحكمــة (المادة 14)
           تتم إحالة الدعوى أو الشكوى الجنائية إلى المحكمة من إحدى الجهات الثلاث التالية :
1- الإحالة من قبل دولة طرف، فيجوز لأي دولة طرف أن تُحيل للمدعي العام أية حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة قد اُرتكبت.
2- المدعي العام للمحكمة من حقه مباشرة التحقيقات من تلقاء نفسه إذا توفرت لديه معلومات عن جرائم تدخل في اختصاص المحكمة (المادة 15).
3- مجلس الأمن يحق له الإحالة مُتصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (المادة 13).

ثانيا : أجهزة المحكمة
    تتشكل المحكمة الجنائية الدولية من عدة أجهزة رئيسية هي :
1 - هيئة رئاسة المحكمة .
2- قلم كتاب المحكمة (المُسجل).
3- مكتب المدعي العام .
4- دوائر المحكمة : شعبة تمهيدية وشعبة ابتدائية وشعبة استئنافية.

ثالثاً : جمعيـة الـدول الأطـراف (المادة 112)
      تنشأ في إطار المحكمة جمعية للدول الأطراف يكون لكل دولة طرف ممثل واحد، يجوز أن يرافقه مناوبون ومستشارون، وتختص الجمعية بالآتي : -
-    اعتماد اتفاقية المقر مع الدولة المضيفة للمحكمة .
-    اعتماد توصيات اللجنة التحضيرية للنظام الأساسي .
-    مناقشة واعتماد ميزانية المحكمة.
-    النظر في أية مسألة تتعلق بدعم التعاون القضائي من الدول الأطراف .
-    اختيار القرارات المتعلقة باختيار القضاة وعزلهم. - البث في زيادة عدد القضاة.
-    مباشرة الرقابة الإدارية على هيئة الرئاسة والمدعي العام والمُسجل.
-    النظر في تعديل أحكام النظام الأساسي للمحكمة.

رابعا : الأحكام التي تُصدرها المحكمة :
           النظام الأساسي للمحكمة لا يتضمن عقوبة الإعدام.
 السجن مدى الحياة بحد أقصى ثلاثين عاماً السجن مدى الحياة حيثما تكون العقوبة مبررة وبالخطورة وإبلاغاً للجريمة وبالظروف الخاصة بالمتهم الغرامة بدون حد أقصى أو حد أدنى مصادرة العائدات والممتلكات والأصول المتحصلة من الجريمة ويجوز للمحكمة أن تحكم بعقوبة واحدة أو أكثر من العقوبات السابقة وتقضي المحكمة بتعويض المجني عليهم وكذلك بإعادة الحقوق ورد الاعتبار.

خامسا: تنفيذ العقوبات :
         تُعد المحكمة قائمة بالدول التي تقبل تنفيذ العقوبة في سجونها، على أن ينظر في كل حالة على حدة، وتتعهد الدولة القابلة أن تنفذ العقوبة وفقا للمعايير الدولية لمعاملة السجناء وتطبق قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، وفي كل الأحوال يُراعى رأي المحكوم عليه في مكان تنفيذ العقوبة مع مراعاة جنسيته، وقد تُثار مشكلة عدم وجود دولة تقبل التنفيذ في سجونها، فيتم التنفيذ في دولة مقر المحكمة مع مراعاة الشروط السابقة، وتمتد ولاية المحكمة على المحكوم عليه أثناء تنفيذ العقوبة، وللمحكمة نقل المسجون إلى دولة أخرى، وأيضا يحق للمحكوم عليه تقديم طلب بنقله إلى سجن دولة أخرى، وتتحد سلطات دولة التنفيذ على العقوبة فقط، فليس لها تعديل الحكم تشديداً أو تخفيفاً، وتتعهد دولة التنفيذ بضمان الاتصالات بين المحكوم عليه والمحكمة وبصورة سرية .
وتتعهد دولة التنفيذ بضمان الاتصالات بين المحكوم عليه والمحكمة وبصورة سرية .


    ما الاعتبارات التي يجب مراعاتها على صعيد " دولة الادعاء " المختارة قبل طلب اللجوء إلى عالمية الاختصاص القضائي ؟
1- يكون جديرا بالانتباه أن المحكمة الجنائية الدولية ، التي جاءت لتحد من ظاهرة الإفلات من العقاب، لن يشمل اختصاصها القضائي إلا القضايا من جرائم الإبادة الجماعية و جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي تم ارتكابها بعد سريان مفعول نظامها ، بحيث لن يكون لنظرها أي أثر رجعي .
2- العمل الدؤوب لرفع الدعاوى خارج فلسطين جد مواتية .
   3-  من المفروض إدراك أنه لكي تسمح " دولة الادعاء " برفع الدعوى القضائية لديها ، لا يكفي أن تكون قد صادقت على اتفاقية تلزمها و تأمرها بمقاضاة مرتكبي جرائم التعذيب أو جرائم الحرب أو هما معا ، كما لا يكفي في ذلك أن يكون القانون الدولي القائم على العرف ينص على مقاضاة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية و غيرها من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ؛
4-   يجب إدراك ، أيضا ، أن الاتفاقيات، هي من جهة ، في بلدان كثيرة تصبح تلقائيا جزءا من القانون الوطني دون الحاجة إلى إصدار تشريع بتنفيذها وتحتاج في بلدان غيرها إلى إدماجها بصورة محددة في القوانين الوطنية قبل الارتكان إليها  و المشكلة هنا أن عديدا من الدول تقوم بالمصادقة على اتفاقية لكنها لا تصدر اللوائح التنفيذية لإدماج الاتفاقية في القانون الوطني .
 5-  يلزم التأكد من وجود إرادة سياسية فعلية ، لدى الدولة المختارة ، مدعومة بوجود حكومة ديمقراطية و سلطة قضائية مستقلة مع وجود جالية كبيرة من أبناء البلد الذي ارتكبت فيه الجرائم ، كما يجب التأكد من طبيعة العلاقة السياسية و الدبلوماسية بين الحكومتين ، هل هي علاقة تقوم على التسويات أم علاقة يشوبها نوع من التوتر، وذلك علما أن بعض الدول تضع مصالحها المشتركة مع الدول الأخرى في مرتبة تعلو عن التزاماتها التعاهدية الدولية ؛
6-  اعتماد هيئة من محامين و مدافعين عن حقوق الإنسان تجمع في عضويتها بين أفراد من الدولة التي وقعت فيها الانتهاكات ذات الصلة و أفراد من " دولة الادعاء " المختارة ، و ذلك للنظر في الكيفية التي تعالج بها مسألة قوانين التقادم في هذه الدولة الأخيرة ، حيث إن معظم الدول لديها قوانين تنص على عدم جواز محاكمة مرتكبي جريمة ما إذا انقضى على ارتكابها عدد معين من السنوات ( 03 أو 10 ، أو 15 سنة أو أي عدد آخر بحسب البلد و الجريمة ) ، لكن بعض هذه الدول قد صادق على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بعدم سريان قوانين التقادم على جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، حيث قطعت المحاكم الفرنسية و البلجيكية ، مثلا ، بعدم جواز تطبيق قوانين التقادم على الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية تحديدا و أوضحت بأنه يجوز تعطيل شروط قوانين التقادم ما دام المتهم يتمتع فعلا بما يقيه سيف العدالة ،،، لكن ما يلزم الانتباه إليه هو أن القضاة المحليين يقومون أولا بالنظر في القانون الوطني ، فإذا وجدوا أن الحد الزمني المنصوص عليه في القانون الذي ينطبق على الدعوى المرفوعة قد فات ، فإن بلدانا أخرى قد ترفض الدعوى شكلا ،، و مع ذلك ، يمكن تجاوز قاعدة التقادم في حالات " الاختفاء " القسري .
7-  يجب إدراك أن المتهم بارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان قد يدفع بالحصانة التي يتمتع بها باعتباره من المسؤولين العموميين حاليا ، أو باعتباره دبلوماسيا،أو باعتباره رئيسا حاليا أو سابقا للدولة ، لكن الحصانة مهما تكن الحالة هي للدولة لا للمتهم ، و لذلك من حق الدولة أن تجرده منها، بل يجب الضغط عليها من أجل ذلك . كما أن الحصانة تستند إلى مكانة الشخص لا إلى فئة الأفعال المرتكبة ،فاتفاقية مناهضة التعذيب تعتبر مشاركة المسؤول الحكومي أو أي شخص يعمل بصفته مسؤولا حكوميا ، ركنا من أركان جريمة التعذيب . و بالنظر إلى أن جرائم التعذيب و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ليست من وظائف رئيس الدولة أو غيره من المسؤولين العموميين فإن   إمكانية التمتع بالحصانة في قضايا التعذيب تنتفي بشكل تلقائي ، و في هذا السياق إن القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفقا للمبادئ التي أرسيت في نورمبرغ ، و كذا الحال بالنسبة للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين لرواندا و يوغسلافيا السابقة ، يؤكد على أن الصفة الرسمية للشخص باعتباره رئيسا للدولة لا تعفيه بحال من الأحوال من المسؤولية كما تنص عليه المادة 27 من القانون الأساسي المعتمد في روما للمحكمة الجنائية الدولية .
8-  يجب إيلاء بالغ الأهمية ، أثناء رصد الانتهاكات و توثيقها ، إلى أن المسؤولين أو القياديين أو الرؤساء ، المدنيين أو العسكريين ، إذا كانوا غالبا ما لا يشاركون مشاركة شخصية ، إلى جانب مرؤوسيهم ، في التعذيب أو القتل، فأنه يكون من الممكن ، مع ذلك ، محاكمتهم إذا كانوا قد أصدروا الأمر فعليا بارتكاب تلك الجرائم ، أو لم يمنعوا وقوعها ، أو إذا كانوا مسؤولين عن عرقلة عدم إفلات الجناة من العقاب . غير أنه  يجب إيلاء نفس الأهمية إلى أنه كلما كانت الدعوى موجهة ضد المتهم المباشر كلما تيسر إقناع النيابة في " دولة الادعاء " بالشروع في إجراءات التحقيق  لأن ذلك يعفي ، في هذه المرحلة من مسار الدعوى ، من إتباع مساطر معقدة أخرى لإعداد حجة الادعاء .
9-  يحتاج الضحايا و المدافعون عن حقوق الإنسان كذلك إلى مثل الهيئة أو اللجنة المنوه عنها بالذكر أعلاه من أجل استكشاف قواعد تسليم الأشخاص في البلدين ، أي في البلد الذي وقعت فيه الانتهاكات أو ينتمي إليه المتهم أو يلجأ إليه و في البلد الذي يتم اختياره لكي يكون بلدا للادعاء . و تتمثل هذه القواعد في: ـ التجريم المزدوج ؛ عبء الأدلة ؛ استثناء الجرائم السياسية ؛ قاعدة التخصيص .
 قبل الإقدام على رفع الدعوى، من المفروض تبين أن تحديد الجهة التي من حقها المبادرة للقيام بذلك يختلف بحسب البلدان، فالدول ذات المنهجيات القانونية الأنجلوساكسونية تفرد هذا الحق للنيابة العامة ، و بالتالي يكون دور الضحايا و المدافعين عن حقوق الإنسان هو إعمال حملات الضغط و التكثيف من الاتصالات في سبيل الإقناع برفع الدعوى  ومباشرة التحقيق. أما في بعض البلدان ذات المنهجيات القانونية المدنية فيكون على المدعي العام أن يجري التحقيق بخصوص أي جريمة يعلم بوقوعها. وهكذا، فبالنظر إلى أن العلم بوقوع الجريمة يمكن أن يكون مباشرا كما يمكن أن يكون عبر مشتكين ، يتخذ مسار رفع الدعوى ما يلي :
ـ  يحق للضحية أن يرفع الدعوى مباشرة إلى قاضي التحقيق الذي يصبح ملزما إثر ذلك بالشروع في التحقيق؛
ـ يحق للضحية أو أحد أقاربه أن ينتصب طرفا جنائيا و ذلك باتخاذه صفة طرف مدني ؛
ـ يحق للضحية أو أحد أقاربه أو جمعية أو جمعيات للمدافعين عن حقوق الإنسان أو جميعهم اكتساب صفة " مدعين مرافقين " ، بما يعني اكتسابهم حق صياغة التهم و الإدلاء بالأدلة و استئناف الأحكام ،،،
ـ يحق لمواطن من بلد الادعاء أن يرفع الدعوى في شكلها الشعبي ، إذا كانت هذه الدعوى تتغيى تصحيح مس لحق بالمصلحة العامة ، و ذلك بغض النظر عما إذا كان هذا المس قد أضر به هو شخصيا أم لا .
 
 الخاتمة والتوصيات :
       إن رفع الدعوى لا يمكن تصوره دون إعداد لملف الدعوى . و يصبح هذا الأمر أكثر إلحاحية حين يتعلق الأمر برفع الدعوى  خارج الوطن ، إذ لا يكفي أن تشيع أخبار عن الحالة السيئة لحقوق الإنسان في البلد حتى تسمح دول برفع الدعوى في الجرائم المرتكبة خارج ترابها الوطني ، أو تصدر أحكاما في هذا الشأن . و على العكس من ذلك ، يحتاج الضحايا إلى مناصرين محليين أكفاء يميزون بين جمع المعلومات لاستعمالها في أغراض سياسية و بين جمعها لأغراض قضائية خارج البلد . و يحتاج الضحايا كذلك إلى مناصرين محليين يستبعدون القيام بالحملات الإعلامية في البلد أو في غيره قبل أن يقضي القضاء في دولة الادعاء بقبول الدعوى ، و ذلك تفاديا ، من جهة ، لأن تتخذ السلطات في بلد الانتهاكات أو في البلد الذي يلجأ إليه الجاني أو الجناة من الإجراءات ما يمكن المتهمين من تغيير أماكن إقامتهم ، أو تزوير هوياتهم أو تدمير أدلة أو غير ذلك ، و فسحا المجال ، من جهة أخرى ، أمام المناصرين من المنظمات الدولية أو الإقليمية للاطلاع في إطار من التكتم على الوثائق التي تم إعدادها محليا و للقيام بالتحريات التكميلية اللازمة لكي يصبح ملف الدعوى أكثر إقناعا  نوصي بما يلي:_
ـ رصد و توثيق الانتهاكات : لكي يكون ملف الدعوى مقنعا ، من المفروض أن يتضمن تدوين الانتهاك ، بالإضافة إلى إثبات هوية الضحية ، توثيقا مدعوما بتفاصيل تشمل : إفادات بموضوع الانتهاك الذي تعرض له الضحية . المرجعية القانونية الدولية و الوطنية التي تنص على الحق الذي أهدره ذلك الانتهاك . إفادات بهوية فاعل الانتهاك أو فاعليه ، و بأماكن تواجدهم و عناوينهم إن أمكن ذلك . إفادات شهود عيان آخرين لتأكد الموضوع . صور للموقع و للأشخاص ( في حالات القتل ، مثلا ) إن أمكن ذلك . التقارير أو الشواهد الطبية أو أية وثيقة أخرى ذات صلة بالموضوع ، تؤكد أن الحدث ليس واردا في مخيلة الشخص المعني ، و إنما هو واقعة حقيقية بالإمكان الاستناد في إثباتها إلى عدد من البراهين التي لا تترك أي مجال للشك في حدوثها ، و المسار الذي اتخذه مجرى الدعوى القضائية الوطنية إذا كانت قد رفعت فعلا .     و لهذه الغاية توفر اللجان الحقوقية الأممية و المقررون الخاصون ، و كذا مواقع المنظمات ذات الصلة جداول و شبكات تسهل للموثقين تدوين المعلومات التي يجمعونها بحسب كل نوع من أنواع الانتهاكات المرصودة  .
ـ إن الإصرار على عدم إفلات الجناة من العقاب يحفز عديدا من المنظمات الدولية   و الإقليمية غير الحكومية لحقوق الإنسان على مساعدة الضحايا و الجمعيات المحلية المعنية في إنجاح الدعاوى المرفوعة في إطار عالمية الاختصاص القضائي .
تبين تجارب الدعاوى المرفوعة في إطار عالمية الاختصاص القضائي أن معظمها ما كان بإمكانها أن تتكلل بالنجاح لولا الدعم الدؤوب و الناجع الذي قدمته منظمات لحقوق الإنسان ، دولية و أخرى إقليمية ، غير حكومية لفائدة الضحايا كما لفائدة جمعيات المدافعين عن حقوق الإنسان المحلية المناصرة لهؤلاء الضحايا . و غني عن التذكير بأن قيمة هذا الدعم تزداد كلما كانت هذه المنظمات تتمتع بالمصداقية و الاستقلالية و الموضوعية و التمرس الطويل و الحرفية العالية و كذا بقوة الرد المضاد و قوة أثره . غير أنه و بالنظر إلى العبء اللغوي و غيره من عوائق التنقل و الاتصال و التواصل ، من جهة ، مع بعض هذه المنظمات ،  و من جهة أخرى ، مع آليات القضاء خارج تراب البلد ، يكون حريا الاتجاه نحو تنويع مصادر الدعم عن طريق :
ـ طلب الإرشاد القانوني و الميداني:
 فمنظمة العفو الدولية  Amnesty International يمكن أن تخدم المشتكين في ما يخص البيانات التشريعية و القوانين اللازمة لرفع الدعاوى و تحريكها.
 و " مركز الحقوق الدستورية"  Center for Constitutional Rights ( CCR ) يمكن أن يساعد في القضايا المتعلقة بطلبات جبر الضرر .
  و " مركز العدالة و المساءلة "  Center for justice and Accountability يمكن أن يعمل من أجل إحالة الجناة الضالعين في جرائم التعذيب على العدالة كلما دخلوا تراب الولايات المتحدة الأمريكية .
 و " منظمة مراقبة حقوق الإنسان "  Human Rights Watch يمكنها ، بناء على خبرتها في التعامل مع عالمية الاختصاص القضائي، أن تفيد في الإرشاد في أهم ما يتعلق بمجال رفع الدعاوى خارج البلد .
 ـ  طلب المساعدة في المسار القضائي :
 في الحالة العربية هناك منظمتان ، على الأقل ، يمكن طلب المساعدة من إحداهما أو منهما معا .
 " اللجنة العربية لحقوق الإنسان – باريس ، فرنسا" COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS ( ACHR ) ، و قد حددت لنفسها أهدافا من بينها : إعطاء اهتمام كاف لانتهاكات حقوق الإنسان التي تمس  الجماعات المستضعفة كالنساء و الأطفال والأقليات داخل وخارج الأرض العربية. أنجزت كتابا عن التعذيب في العـالم الـعـربي في القرن العشرين في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. تتبع أشكال العنف ، وهي تتمتع بالصفة الاستشارية الأممية، و لكونها تنخرط في تحالفات تشمل ما يزيد عن 115 هيئة و منظمة و جمعية ، وأعدت دليلا مرشدا لإقامة دعاوى قضائية دولية مع منظمة العدالة العالمية،  . ناهيكم عن برامج المحاسبة التي تقوم بها من أجل العراق وفلسطين ولبنان منذ أعوام بالتعاون مع عدد هام من الحقوقيين والقضاة وجمعية الحقوقيين في الأمريكيتين.  فإنها يمكن أن تكون من أمثل المنظمات الحقوقية الإقليمية التي يمكن للضحايا و للإطارات المناصرة لهم أن يطلبوا معاضدتها لهم خلال العمليات التي يتطلبها المسار القضائي خارج فلسطين .
الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان "  La Fédération  internationale des ligues des droits de l’Homme
 ولديها ما يكفي من المؤهلات لكي تقدم للضحايا الفلسطينيين وللجمعيات الحقوقية المحلية المناصرة لهم الدعم اللازم في تيسير إجراءات رفع الدعوى أو الدعاوى خارج فلسطين وفي تتبعها ، فهي تتكون من تحالف واسع و تغطي أغلب البلدان  العربية والفرانكفونية ، وبالإضافة إلى تمرسها في ميدان عالمية الاختصاص القضائي ، تتمتع بالصفة الاستشارية الأممية، ولها تجربة مع العديد من الدول.
و كل هذا يستوجب القيام بخطوات ضرورية وهامة في هذه المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية وهي :

أولاً : قيام السلطة الوطنية بتقديم شكوى عاجلة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لمطالبته بفتح تحقيق جنائي دولي في الجرائم التي اقترفت في (محرقة غزة) .
ثانياً : الإسراع في المصادقة على مشروع قانون الهيئة الفلسطينية لملاحقة المسئولين الإسرائيليين عن جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني .
ثالثاً : تشكيل لجنة وطنية عليا تكون مهمتها حصر الجرائم التي اقترفها المتهمين الإسرائيليين في (محرقة غزة) وجمع أدلة الثبوت قبل ضياع معالمها .
رابعاً : إنشاء موقع الكتروني على شبكة الانترنت مخصص لملاحقة المتهمين الإسرائيليين بارتكاب جرائم ضد الشعب الفلسطيني ومتابعة تحركاتهم ونشر صورهم وأسمائهم والمطالبة بالقبض عليهم أينما تواجدوا .
خامساً : تقديم شكاوى إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للحقوقيين وغيرها من المنظمات والمؤسسات ذات العلاقة ومتباعتها من قبل لجنة من المحامين الفلسطينيين مكلفين رسمياً بهذا الخصوص ..