مهام المجلس



مهام المجلس التشريعي

 

(مساءلة ومحاسبة)

حدد النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني، الذي أقره المجلس في بداية عهده،  الهدف من إقراره، مركزاً على ضرورة وضع أسس يعمل من خلالها المجلس التشريعي المنتخب، تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يؤكد استقلالية السلطة التشريعية، وحقها الأصيل في التشريع ومراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومحاسبتها؛ كخطوات أساسية لبناء المجتمع الديمقراطي وممارسة السيادة فوق الأرض الفلسطينية، وهذا ما أكدته مقدمة النظام الداخلي للمجلس. وعليه، فإن الرقابة البرلمانية هي (حق أصيل) للسلطـة التشريعيـة في إطار العلاقـة مع السلطـة التنفيذيـة بهدف تحقيق الصالح العام.

 

والحقيقة، أن هناك أشكال متعددة للرقابة على أعمال الحكومة، فهناك: الرقابة البرلمانية، الرقابة السياسية، الرقابة القضائية، وبالطبع الرقابة الشعبية متعددة الوسائل (صحافة، وسائل إعلام، مؤسسات مجتمع أهلي، أحزاب سياسية…). وفي شأن الرقابة البرلمانية - محور حديثنا - فإنها تختلف باختلاف النظام السياسي السائد (برلماني، رئاسي، مختلط). وسنتناولها في إطار النظام السياسي الذي لا يزال متبعاً عندنا وفي الدول العربية أيضاً؛ ألا وهو " النظام المختلط".

 

الرقابة البرلمانيـة: تعني مراقبـة البرلمان (السلطة التشريعية) لمختلف أعمال الحكومة (السلطة التنفيذية) وخططها وبرامجها وسياساتها العامة، وفق معايير وضوابط محددة في القانون، وتبعاً محاسبتها إذا اقتضى الأمر. وعليه، فإن الرقابة البرلمانية إنما تقوم في جوهرها على (المساءلة والمحاسبة).

 

للرقابة البرلمانية (أدوات) محددة في القانون الأساسي الفلسطيني والنظام الداخلي للمجلس التشريعي، هذه الأدوات هي:

 

1- السؤال.

 

2- الاستجواب.

 

3- لجان التحقيق.

 

4- حجب الثقة.

 

هذه الأدوات الرقابية مختلفة في مستوى فعاليتها ونتائجها على الحكومة، ومرتبطة من حيث المبدأ بآلية تعاطي الحكومة مع موضوع الرقابة. والأمر على النحو التالي:

 

        · السؤال:

 

السؤال في جوهره استفهام أو استيضاح موجه من قبل النائب إلى وزير معين أو أكثر في أمر يدخل في اختصاص الوزير ولا يعلم النائب السائل حقيقته. ويعني أيضاً لفت نظر الوزير إلى أمر يدخل في اختصاصه، ومعرفة حقيقة تصرفه تجاهه.

 

أما في شأن آلية تقديم السؤال؛ فيجب أن يقدم من قبل النائب إلى المجلس على نحو مكتوب، ومن ثم يدرج على جدول أعمال المجلس بعد مرور أسبوع من إبلاغه للوزير المعني، ويخصص له (نصف ساعة) في بداية الجلسة؛ إلا إذا قرر المجلس غير ذلك. وأما مناقشة السؤال فتتم في دائرة النائب السائل والوزير المسؤول، ولا يحق لأي عضو آخر التدخل في الموضوع أو التعليق على إجابة الوزير. فإذا اقتنع النائب السائل بإجابة الوزير ينتهي السؤال. وإذا لم يقتنع فله وحده حق التعقيب على إجابة الوزير. وبالتالي، فإن السؤال لا يترتب عليه مناقشة واسعة داخل أروقة المجلس التشريعي.

 

        · الاستجواب:

 

الاستجواب أداة تنطوي على خطورة تجاه مَن وجهت إليه، وبالتالي فإنها تختلف عن السؤال الذي لا يحتوي على هذه الخطورة. وذلك، لأن الاستجواب يحمل في طياته "اتهاماً مبطناً" للوزير المستجوب تجاه تصرف معين في شأن يدخل ضمن اختصاصه.

 

ونظراً لخطورة الاستجواب، فلا يقتصر نقاشه على دائرة النائب المستجوِب والوزير المستجوَب كما هو الحال في السؤال، وإنما يعتبر ملكاً للمجلس التشريعي بأكمله. ويؤدي إلى مناقشة عامة تنتهي باتخاذ المجلس قراراً في شأن موضوع الاستجواب. فإذا كان القرار صادراً لصالح الوزير ينتهي الاستجواب بالشكر والاعتذار له. أما إذا كان القرار صادراً ضده؛ فقد ينتهي الاستجواب بتوجيه اللوم له، وقد يتطور الأمر بشكل دراماتيكي ليثير إمكانية حجب الثقة عن الوزير أو عن الحكومة بأكملها؛ انطلاقاً من مسؤوليتها التضامنية تجاه الأداء الحكومي والسياسة العامة.

 

أما فيما يتعلق بآلية تقديم الاستجواب، فيجب أن يقدم إلى المجلس التشريعي مكتوباً، وتمنح له الأولوية على سائر المواد المدرجة على أجندة المجلس؛ ما عدا الأسئلة. كما ويجب أن لا تطول مناقشته في المجلس التشريعي عن (10) أيام، ليتخذ المجلس قراره في شأنه.

 

        · لجان التحقيق:

 

قد لا يستطيع المجلس التأكد من مسألة معينة تتعلق بالأداء الحكومي، فيعهد أمر متابعتها إلى إحدى لجانه الدائمة، أو إلى لجنة خاصة يشكلها المجلس من بين أعضائه لهذا الغرض المحدد، بحيث تتولى اللجنة مهمة متابعته والتحقيق فيه والتحقق منه، وتنتهي مهمتها بتقرير حول الموضوع يقدم إلى المجلس التشريعي لمناقشته واتخاذ قراره بشأنه.

 

        · حجب الثقة:

 

تعتبر أداة حجب الثقة من أشد الأدوات الرقابية التي يمتلكها المجلس التشريعي في مواجهة الحكومة. وهي قائمة في جوهرها على المحاسبة. ويستخدمها المجلس كأداة أخيرة لحسم الأمر مع الحكومة؛ إذا عجز عن تصويب الأداء الحكومي بواسطة الأدوات السابقة.

 

والحقيقة، أن هذه الأداة إنما تعد بمثابة (حجر الزاوية) في النظام السياسي وفي المحاسبة السياسية أيضاً. وهي تسير من حيث مضمونها في اتجاهين:

 

أ‌-        مسؤولية فردية: وتقوم على مسؤولية كل وزير على حدة عن الأداء الحكومي في وزارته، ويترتب عليها سحب الثقة عن الوزير؛ إذا نجح التصويت بسحب الثقة وفقاً للأصول، وتبعاً تقديم استقالته.

 

ب- مسؤولية تضامنية (دراما في المحاسبة السياسية): وتقوم على المسؤولية التضامنية لجميع الوزراء عن الأداء الحكومي والسياسة العامة. ويترتب عليها سحب الثقة عن الحكومة بأكملها؛ إذا نجح التصويت بسحب الثقة وفقاً للأصول، وتبعاً تقديم استقالتها الجماعية.

 

ونظراً لشدة خطورة هذه الأداة الرقابية (حجب الثقة)، فإن طلب سحب الثقة يجب أن يقدم إلى المجلس التشريعي مكتوباً وموقعاً عليه من (10) نواب على الأقل، ويجب أن يسبقه استجواب وفقاً للأصول، ويحتـاج إلى موافقـة الأغلبيـة المطلقـة للمجلس على سحب الثقة (نصف + 1). فإذا توفر هذا العدد بنتيجة التصويت سحبت الثقة عن الوزير أو عن الحكومة بحسب الحال، أما إذا لم يتوفر هذا العدد بنتيجة التصويت لا تسحب الثقة. وهذا ما أكد عليه القانون الأساسي الفلسطيني.

 

ووفقاً للقانون الأساسي الفلسطيني، والنظام الداخلي للمجلس التشريعي، فإذا نجح التصويت بحجب الثقة عن الوزير أو الحكومة؛ يقدم رئيس السلطة الفلسطينية بديلاً عمن سحبت عنه الثقة في الجلسة التالية لسحب الثقـة، على أن لا يتجاوز موعدها الزمني عن أسبوعين اعتباراً من تاريخ جلسة سحب الثقة.

 

هذه هي أدوات الرقابة البرلمانية وفقاً للأصول الإجرائية المؤكد عليها في القانون الأساسي الفلسطيني والنظام الداخلي للمجلس التشريعي.

 

ولكن، كيف استخدمت هذه الأدوات الرقابية في الناحية العملية خلال مسيرة المجلس التشريعي الفلسطيني ؟ بمراجعة سجلات المجلس التشريعي في هذا الشأن، يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية *:

 

1- الأسئلة: يلاحظ أن أعضاء المجلس التشريعي قد وجهوا إلى الحكومة منذ بداية عهد المجلس ولغاية الآن نحو (200) سؤال. وقد لوحظ أن هذه الأسئلة قد سارت على نحو متذبذب (صعوداً وهبوطاً) من حيث المؤشرات، وبحسب كل دورة برلمانية وظروفها وملابساتها، والأمر على النحو التالي:

 

أ- الدورة البرلمانية الأولى (1996): لم يوجه فيها أي سؤال للحكومة.

 

 ب- الدورة البرلمانية الثانية (1997): وجه أعضاء المجلس (83) سؤالاً للحكومة.

 

ج- الدورة البرلمانية الثالثة (1998): وجه أعضاء المجلس (39) سؤالاً للحكومة.

 

د- الدورة البرلمانية الرابعة (1999): وجه أعضاء المجلس (61) سؤالاً للحكومة.

 

هـ-الدورة البرلمانية الخامسة (2000): وجه أعضاء المجلس (11) سؤالاً للحكومة.

 

و- الدورة البرلمانية السادسة (2001): لم يوجه فيها أي سؤال للحكومة.

 

ر- الدورة البرلمانية السابعة (2002): وهي الدورة البرلمانية الحالية، ولم تنتهِ بعد، مما لا يتيح مجالاً لإعطاء مؤشرات فيها، إلا أننا نستطيع القول أن ما وجه فيها لغاية الآن لا يتجاوز بضع أسئلة.

 

هذا التذبذب في المؤشرات لجهة توجيه الأسئلة إلى الحكومة يكمن بتقديري في عوامل محددة بذاتها وأخرى عامة:

 

أ- العوامل المحددة: وقد لوحظت في الدورة البرلمانيـة الثانيـة 97(83 سؤالاً) أعقبها (39 سؤالاً) في الدورة البرلمانية الثالثة 98، ويمكن أن يعزى هذا الانخفاض في حجم الأسئلة إلى تداعيات تقرير هيئـة الرقابـة العامـة وتبعاً تقرير اللجنـة الخاصة التي شكلها المجلس في، موضوع الفساد، والنتائج التي تمخضت في هذا الشأن. يضاف إلى ذلك، نمطية الحكومة في التعاطي غير الملتزم لجهة، الموازنة العامة، لا سيما تاريخ تقديمها إلى المجلس التشريعي الذي كان يتأخر دوماً. هذه العوامل المحددة، خلقت بتقديري شعوراً بنوع من الإحباط لدى أعضاء المجلس التشريعي، مما حدَّ بشكل ملحوظ من استخدام الأسئلة في المجال الرقابي.

 

ب- العوامل العامة: ومن أبرزها عدم توفر الخبرة الكافية في العمل البرلماني؛ لا سيما في الدورة البرلمانية الأولى حيث لم يلاحظ فيها توجيه أي سؤال للحكومة. إضافة إلى محاولات يُعتقد أنها هدفت إلى تسييس العمل البرلماني؛ وإخضاعه لمصالح ذاتية أو حزبية أو فئوية. وكذلك بالطبع، الظرف السياسي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، الذي حال دون انتظام جلسات المجلس التشريعي؛ وما تمخض عنه من آلية مربكة سار عليها المجلس في عقد جلساته، بحكم الظروف، مستخدماً فيها نظام "الفيديو كونفرس" بين رام الله وغزة.

 

أما في شأن موضوعات الأسئلة الموجهـة، فبعد الإطلاع عليها، يلاحظ حقيقـة أنها كانت، متنوعة، فقد أثيرت العديد من الأسئلة في شأن: الوضع السياسي ومسار المفاوضات، فوضى السلطة القضائية، الهيئات المحلية، معايير التوظيف، أوضاع المعلمين، سرقة الآثار، الضابطة الجمركية، تحويل مخالفات التموين إلى محاكم أمن الدولة… مما يدلل على تفاعل أعضاء المجلس التشريعي مع هذه الأداة الرقابية.

 

2- الاستجواب: الحقيقة، أن المجلس التشريعي لم يستخدم هذه الأداة الرقابية خلال مسيرته البرلمانية سوى (مرتين) فقط.

 

أ‌-   الاستجواب الأول جرى عام 1998م: حيث تم استجواب السيد وزير الحكم المحلي في شأن آلية التعيينات في الهيئات المحلية، وتم إحالة الاستجواب إلى لجنة الداخلية والأمن والحكم المحلي في المجلس، وقدمت اللجنة المذكورة تقريراً إلى المجلس التشريعي يوصي بوقف هذه التعيينات. ولكن الأمر لم يتطور (رقابياً ومحاسبياً) إلى أبعد من ذلك.

 

ب‌- الاستجواب الثاني جرى عام 1999م: حيث تم استجواب السيد وزير المالية السابق في شأن تأخر تقديم مشروع الموازنة العامة للسنة المالية 1999م عن موعده القانوني. ووجه المجلس التشريعي لوماً إلى السيد وزيـر الماليـة السابق جرّاء هذا التأخير. ولكن الأمر، أيضاً، لم يتطور (رقابياً ومحاسبياً) إلى أبعد من ذلك.

 

3- لجان التحقيق: يلاحظ، أن هذه الأداة الرقابية قد استخدمت من قبل المجلس التشريعي بشكل، متنوع وواضح، سواء عبر لجانه الدائمة أو عبر لجان خاصة شكلها المجلس من أعضائه لتقضي الحقائق وفقاً للأصول المتبعة قانوناً. وقد نظرت هذه اللجان في العديد من القضايا المتنوعة، من أبرزها: تقرير لجنة الرقابة العامة الذي أثير في حزيران 1997م، التجاوزات المتكررة للأجهزة الأمنيـة الفلسطينيـة، قضيـة الطحين الفاسد التي أثيرت في آذار 1997م… إضافة إلى العديد من المسائل المتنوعة، تماماً كما هو الحال في شأن موضوعات الأسئلة.

 

4- حجب الثقة: الحقيقة، أن المجلس التشريعي لم يستخدم هذه الأداة الرقابية المحاسبية لغاية الآن على الإطلاق. باستثناء المحاولة التي جرت في هذا الشأن خلال عرض الحكومة الفلسطينية السابقة على المجلس التشريعي لنيل الثقة في الجلسة التي عقدت بتاريخ 29/10/2002م. حيث لوحظ توجه علني من قبل غالبية أعضاء المجلس التشريعي في الجلسة المذكورة (لحجب الثقة) عن الحكومة في ذلك الوقت. إلا أن الحكومة قد حسمت الأمر بتقديم استقالتها الجماعية إلى المجلس التشريعي بعد أن قبلها رئيس السلطة الفلسطينية.

 

خلاصة القول: أن المجلس التشريعي الفلسطيني، يمتلك أدوات الرقابة البرلمانية الكاملة التي تمتلكها البرلمانات الأخرى. وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني يمتلكون الإرادة الذاتية الكاملة لممارسة هذه الأدوات الرقابية. ولكن جوهر الدور الرقابي للمجلس التشريعي الفلسطيني لا يقاس حقيقة بعدد القرارات المتخذة في هذا الشأن، وإنما بالتزام السلطة التنفيذية (الحكومة) بها، أو إجبارها على الالتزام إن تطلب الأمر..

 

* يود الباحث أن يتقدم بالشكر إلى (قسم حفظ السجلات) في المجلس التشريعي الفلسطيني على المعلومات القيمة التي وفرها في هذا الشأن.